الآلوسي
34
تفسير الآلوسي
- كما هو رأي الأخفش - والعامل بالظرف مضمون الجملة من التهويل والتفخيم المستفاد من الاستفهام ، أو الفعل المصدر كما قرره صاحب " الدر المصون " ، والجار متعلق بما عنده أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه ، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم ، أو كيف يصنعون ، أو كيف يكون حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال - وهو نبيهم - ؟ * ( وَجئْنَا بكَ ) * يا خاتم الأنبياء * ( عَلَى هَاؤُلاَء ) * إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر * ( شَهيداً ) * تشهد على صدقهم لعلمك بما أرسلوا واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا ، وقيل : إلى المكذبين المستفهم عن حالهم يشهد عليهم بالكفر والعصيان تقوية لشهادة أنبيائهم عليهم السلام ، أو كما يشهدون على أممهم ، وقيل : إلى المؤمنين لقوله تعالى : * ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) ومتى أقحم المشهود عليه في الكلام وأدخلت * ( على ) * عليه لا يحتاج لتضمين الشهادة معنى التسجيل ، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من طرق عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ عليّ قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) * الخ فقال : حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان " فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة ، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه ؟ ! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه . . * ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الاَْرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) * . * ( يَوْمَئذٍ يَوَدُّ الَّذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ ) * استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها ، وتنوين ( إذ ) عوض - على الصحيح - عن الجملتين السابقتين ، وقيل : عن الأولى ، وقيل : عن الأخيرة ، والظرف متعلق - بيود - وجعله متعلقاً بشهيد ، وجملة * ( يود ) * صفة ، والعائد محذوف أي فيه بعيد ، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل ، وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه ، وإما جنس الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولاً أولياً ، والمراد من * ( الرسول ) * الجنس أيضاً ويزيد شرفه انتظامه للنبي صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً ، و * ( عصوا ) * معطوف على * ( كفروا ) * داخل معه في حيز الصلة ؛ والمراد عصيانهم بما سوى الكفر ، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة ، وقال أبو البقاء : إنه في موضع الحال من ضمير * ( كفروا ) * وقد مرادة ، وقيل : صلة لموصول آخر أي والذين عصوا ، فالإخبار عن نوعين : الكفرة والعصاة ، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء ، وفي المسألة خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدّته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في الدنيا . * ( لَوْ تُسَوَّى بهمُ الأَرْضُ ) * إما مفعول * ( يودّ ) * على أن * ( لو ) * مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم ، أو تسوى عليهم كالموتى ، وقيل : يودون أنهم بقوا تراباً على أصلهم من غير خلق ، وتمنوا أنهم كانوا هم والأرض سواء ، وقيل : تصير البهائم تراباً فيودون حالها . وعن ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما يطأون الأرض ، وقيل : يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية ، وإما مستأنفة على أن * ( لو ) * على بابها ومفعول * ( يود ) * محذوف